ثالثاً: التيارات البحرية Ocean Currents:
يقصد بالتيار البحري (بأنه حجم واسع من الماء متجانس في خصائصه الحرارية والرطوبية يتحرك بين منطقتين متباينتين بسبب الاختلاف في الحجم Density والضغط الجوي وحركة واتجاه الرياح (قوة كوريلس ) وشكل الساحل ) ، وتتميز التيارات البحرية بطبقات مائية مختلطة Mixed Layer ودرجاتها الحرارية متجانسة ، كما تمتد تحت السطح بعمق يصل بين (180- 450 متراً).
وتتباين التيارات البحرية في حرارتها تبعاً للمصدر الذي تنشأ فيه، فمنها ما تكون بشكل تيارات بحرية دافئة Warm Current ، واخرى باردة Cold Current ، وإن لكل منهما تأثيراته الحرارية على المناطق التي تمر بجوارها سواء الساحلية منها ام الداخلية .
وتعد التيارات البحرية التي تمر بجوار المناطق الساحلية من اهم العوامل التي تعمل على اختلاف توزيع الحرارة على تلك المناطق التي تقع في ضمن دوائر عرض واحدة ، ويظهر تاثير التيارات البحرية في اختلاف توزيع معدلات درجات الحرارة بشكل واضح في حركة التيارات البحرية في المحيط الاطلسي عندما يتم رسم خطوط الحرارة المتساوية(Isotherms) بين قارتي أوراسيا ( أوربا واسيا ) وقارة امريكا الشمالية في النصف الشمالي، وقارتي افريقيا وامريكا الجنوبية في نصف الكرة الجنوبي.
ان حركة التيارات البحرية تبدأ تحت تاثير حركة وقوة احتكاك الرياح السائدة وتخضع بانتقالها على دوائر العرض ايضا لتاثير قوة كوريلس (قوة الأنحراف)، ففي المنطقة الواقعة بين دائرتي عرض (10 ْ – 30 ْ شمالاً وجنوباً) تتحرك مياه المحيط الاطلسي تحت تاثير الرياح التجارية الشمالية الشرقية والجنوبية الشرقية دافعة ً المياه بشكل تيارين مائيين يتجهان نحو دائرة العرض الاستوائية ذات الضغط الواطئ ، وبعد وصولها إلى المنطقة الاستوائية والتي تتميز بغزارة امطارها وارتفاع مناسيب المياه فيها، فإنهما ينقسمان إلى تيارين :
1- تيار استوائي راجع شمالي يسير بمحاذاة الساحل الشمالي الشرقي لقارة امريكا الجنوبية ويدخل إلى البحر الكاريبي فيؤثر على اتجاهه شكل الساحل ، ويتقدم في خليج المكسيك حيث يعرف بتيار الخليج الدافئ ، ثم يتقدم باتجاه الشمال ويخضع هنا إلى حركة واتجاه الرياح العكسية (الجنوبية الغربية ) الخارجة من منطقة الضغط العالي حول مدار السرطان ، ويقطع المحيط الاطلسي مرةً اخرى باتجاه السواحل الغربية والشمالية الغربية لأوربا ، مما يؤثر في رفع درجات الحرارة والرطوبة وسقوط الامطار ، وبعد إن يصل إلى تلك السواحل يتفرع منه تيار باتجاه الجنوب فيصل إلى السواحل الشمالية الغربية من افريقيا ويعرف هناك باسم ( تيار الكناري البارد ) بعد إن يفقد حرارته ويتزود بمعدلات حرارية من العروض الوسطى التي تحرك منها .
2- اما التيار الثاني في المنطقة الاستوائية وهو التيار الاستوائي الرجعي الجنوبي فيسير بمحاذاة السواحل الشرقية من قارة امريكا الجنوبية مع امتداد ساحل البرازيل فيعرف باسم (تيار البرازيل الدافئ ) ، ويسهم هذا التيار في رفع درجات الحرارة على الساحل البرازيلي وحتى دوائر العرض ( 35 ْ – 40 ْ جنوباً) وهنا ينحرف تحت تاثير الرياح العكسية (الشمالية الغربية ) الخارجة من منطقة الضغط العالي حول مدار الجدي ، ويقطع المحيط الاطلسي الجنوبي ليصل إلى الساحل الجنوبي الغربي من افريقيا ، ويعرف هنا بـ( تيار بنجويلا البارد ) Cold Bangwiala .
وتوضح تسجيلات معدلات الحرارة في سواحل غرب أوربا وبمقارنتها مع سواحل شرق قارة امريكا الشمالية دور التيارات البحرية في ذلك ، إذ سجلت معدلات حرارية وصلت إلى ( 8.2مْ ) في مدينة ( ابورتو ) البرتغالية في شهر كانون الثاني ، في حين ولنفس الشهر وضمن دائرة العرض نفسها (41 ْ شمالاً ) التي تقع عليها تلك المدينة سجلت معدلاً للحرارة وصل إلى اقل من ( -1مْ ) في مدينة ( نيويورك ) الواقعة على الساحل الشرقي من امريكا الشمالية والمقابلة للسواحل البرتغالية .
شكل (19)
التوزيع الجغرافي للتيارات البحرية في المحيط الاطلسي
كما يمكن توضيح تاثير التيارات في اختلاف توزيع معدلات الحرارة على سطح الأرض من خلال مقارنة خريطة التوزيع الجغرافي للتيارات البحريةشكل (19، 20)، مع خريطة التوزيع الجغرافي للحرارة والذي يظهر من خلالهما بأن معدلات الحرارة المسجلة على السواحل الغربية للقارات في المنطقة المدارية اقل من معدلات الحرارة المسجلة على السواحل الشرقية، وذلك لأن السواحل الغربية تقع تحت تاثير التيارات البحرية الباردة ، في حين تخضع السواحل الشرقية بين المدارين ( الساحل الشرقي للامريكيتين) والمقابل لها لتاثير تياري الخليج والبرازيل الدافئين .
ويختلف تاثير التيارات البحرية باختلاف معدلات الحرارة كلما انتقلنا من المنطقة المدارية باتجاه القطبين ، إذ تقع المنطقة الشمالية الشرقية من قارة امريكا الشمالية تحت تاثير تيار لبرادور البارد والذي يرافقه انخفاض في درجات الحرارة وبالشكل الذي يؤثر في تجمد مياه خليج سانت لورنس ، في حين وعلى نفس امتداد دوائر العرض الشمالية نجد إن السواحل الغربية من أوربا والواقعة إلى شمال دائرة عرض ( 45 ْْ شمالاً ) تتميز بالدفئ وسقوط الامطار المنتظمة نتيجة تأثرها بتيار الخليج الدافئ والذي يقطع المحيط الاطلسي بتاثير الرياح العكسية (الجنوبية الغربية ) كما أوضحنا ذلك.
ويظهر تاثير التيارات البحرية بشكل اكثر وضوحاً عند مقارنة السواحل الشرقية والغربية لقارة امريكا الشمالية ، ومن ملاحظة الشكل (20) يتبين لنا بأن السواحل الشمالية الغربية من القارة تقع تحت تاثير تيار اليابان الدافئ والذي حدد من خصائصها المناخية ، فقد تميزت بالدفء مع سقوط امطار دائمية وجعلها تدخل في ضمن خصائص مناخ غرب القارات ، اما الساحل الشمالي الشرقي للقارة والمقابل له فيتميز بانخفاض الحرارة مع الجفاف لكونه يخضع لتاثير (تيار لبرادور ) البارد شكل (19).
اما الساحل الجنوبي الغربي من القارة فيتميز بخصائص تختلف عن ذلك ، إذ يتاثر الساحل الجنوبي الغربي بتيار كاليفورنيا البارد ، في حين إن الساحل الجنوبي الشرقي المقابل له يتميز بخصائص الدفء والرطوبة وسقوط الامطار الدائمية لوقوعه تحت تاثير تيار خليج المكسيك الدافئ والذي يمتد تاثيره ليغطي شبه جزيرة فلوريدا باكملها .
ويحدث العكس في النصف الجنوبي من قارة امريكا الجنوبية ، إذ تشير التسجيلات الحرارية إلى إن المنطقة الواقعة بين خليج جواياكل Guayaquil Bay وميناء (كلاو Gallo ) على الساحل الغربي منخفضة في معدلاتها الحرارية مقارنة مع الساحل الشرقي المقابل له ، وذلك لتاثير تيار ( همبولت البارد ) في الأولى وتيار (البرازيل الدافئ) في الثانية ، ثم تتغير معدلات الحرارة خلال الفصل البارد في المنطقة الواقعة إلى جنوب (كلاو) فترتفع الحرارة بتاثير تيار النينو El-Ninoالدافئ،الذي يحل محل تيار همبولت أو ( بيرو ) البارد ، اما على الساحل الشرقي المقابل فإن معدلات الحرارة تبدا بالتناقص من خليج لابلاتا وحتى اقصى جنوب شرق القارة ، وذلك لتاثير تيار فوكلاند Facl Land البارد والذي هو تيار قادم من المحيط المتجمد الجنوبي . ويظهر تاثير التيارات البحرية في اختلاف معدلات الحرارة بين الساحلين بحيث يصل الفرق في الحرارة بينهما إلى حوالي (12مْ ) خلال شهر تموز ، وإلى (4مْ ) في شهر كانون الثاني.